ابن عربي

294

مجموعه رسائل ابن عربي

بالأمان ، وبقيت الأعيان تطلب العيان بالعيان ، فشاهدنا ما أخبرنا اللّه به في السورة التي يذكر فيها : الرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ * عَلَّمَهُ الْبَيانَ غير أن جني الجنات ليس بدان ، فلما قصرت أيدينا عن تناول شيء منها ، سألته ما السبب الذي قصر بنا عنها ؟ فقال : يا وليي ، تناولها موقوف على التركيب الثاني ، إن قمت بتعظيم معرفة المثاني ، وأنت في التركيب الأول ، فاصبر حتى يتحول ، فإذا سترت روحانيتك جسمك ، ووسمت وسمك ، وعرفت سعادتك واعادتك واسمك ، وصرت في الصور الحول ، القلب يذهب فيها كل مذهب ، حينئذ تتناول ما بسق عن أشجارها ، وتستنشق ما شئت من روائح أزهارها ، وتقف على سر حجرها وأحجارها ، فهنالك يبدو شرف الاعتدال ، وصورة التمام والكمال ، وسر الثوب الذي مال ، وروح الضياء والظلال ، والتحاق النساء بالرجال ، وشغوفهن عليهم في جنات الأحوال ، ويظهر لعينيك استواء المنحرف الميال ، ويبقى العلم ويذهب الخيال ، وتتضح المعاني ، ويزول الأشكال ، وينحفظ الترتيب باعتدال التركيب ، وتبرز حقيقة الأبد ، ويدوم البقاء بالديمومية الإلهية من غير أمد ، وتلوح كيفية التولد ، وما هية التعبد ، وأسرار الصلوات والصدقات ، وسبب الأولياء والشهود في النكاح والصدقات ، ومعالم الوقوف بعرفات ، وسفك دماء القرابين بمنى لابتغاء القربات ، ومقام الذاكرين اللّه [ فيه ] « 1 » كثيرا والذكرات ، المقرون بذكر الآباء والأمهات ، وانتظام الشمل بالحبائب ، والتحاق ، الأجانب بالأقارب ، وتنوع المراتب ، باختلاف المذاهب ، وسرور الروح والنفس بتحصيل الجمال والأنس وتقف على سر إجابة دعوة المضطر وإن كان كافرا ، وهدي الطالب إذا كان حائرا ، وتعلم أن اللّه لا تضره معصية عاص ، ولا تنفعه طاعة طائع ، ولم تسمى ب « المانع » . ناد : يا حنان يا منان ، يا رؤوف يا محسان ، يا من جعل معدن النبوة أشرف المعادن ، وموطن الأحكام أرفع المواطن ، أنت الذي سويت فعدلت ، وفي أي صورة ما شئت ركبت ما سويت ، يا واهب : إذ لا واهب ، ويا مانع المثوبات أهل المكاسب ، أنت الذي وهبت التوفيق ، وأخذت بناصية عبدك ، ومشيت به على الطريق ، وجعلت فيه الأعمال الرياضية ، والأقوال الزكية ، وأنطقته بالتوحيد والشهادة ، ويسرت له أسباب السعادة ، ثم أدخلته دارك ،

--> ( 1 ) ما بين القوسين ليس في المطبوعة .